أقلام الثورة قبل 3 أياملا توجد تعليقات
عمر الحداد يكتب: "خاشقجي".. و"السديسي"..!
عمر الحداد يكتب: "خاشقجي".. و"السديسي"..!
الكاتب: عمر الحداد

يتساءل كثيرون.. كيف أصبح لابن سلمان هذه الجرأة أن يرتكب جريمة بهذه البشاعة؟ وكيف أتت للسديس الجرأة أن يمارس التعريض جهاراً نهاراً في خطبة الجمعة في بيت الله الحرام بمكة المكرمة؟

يتخيل كثيرون، أن هؤلاء من كبار علماء وحكام الوهابية، وحتى المذاهب الأخرى، إنما يتحركون بالمخالفة لضميرهم، وأنهم يشعرون بتأنيب شديد للضمير، لكن ضمائرهم تصمت حين يرون ما يحصدونه من ثمرات هذه الأعمال، سواء كانت سلطة أو ثروة أو غيرها …

لكني أؤكد لحضرتك أن هؤلاء لا يشعرون بأي نوع من تأنيب الضمير, يل إنهم يرون أن ما يفعلونه إنما هو واجب شرعي يتعين عليهم القيام به, وأن كل من عارضهم إنما هو مجرم مخالف, بالتالي, فلا بد من استخدام كافة الوسائل, بما فيها القوة المفرطة, للقضاء على هؤلاء المجرمين الخوارج.

من أين أتت هذه الخلفية الخطيرة؟

في مقال سابق عن الأخلاق, ذكرت أن الأصل في الأخلاق أنها عملية عقلية, فالإنسان يقوم بالعمل يعدما يقتنع كون العمل أخلاقيا, ولو اقتنع بفكره وذكائه أن العمل غير أخلاقي لم يقم به ولم يرتكبه.

وهذه الفكرة على منطقيتها إنما آمنت بها فئة قليلة جدا من علماء المسلمين, لكن الفئة الغالبة من علماء الأمة يرون أن الأخلاق إنما هي ما حكمت به نصوص الشرع, فلو كان حكم الشرع في أمر ما أنه حرام, فهو إذا غير أخلاقي, ولو قال الشرع أن هذا الأمر حلال فهذا هو الخلق, ويستدلون على هذا بقول عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه “كان خلقه القرآن”, والقرآن وصف النبي بأنه “وإنك لعلى خلق عظيم”, وبالتالي, فالأخلاق هي ما أتى به القرآن والسنة, وكل ما خالفهما فهو مخالف للأخلاق بالضرورة. طبعا في الأمر تفصيل كبير واستثناءات كثيرة, لكن القاعدة العامة أن الشرع هو الأخلاق.

ولعل هذا يظهر بوضوح في التفسيرات المختلفة لقوله تعالى “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى”, ويأتي السؤال, هل الصدق أمر أخلاقي لأن الله أمر به, أم أن الله أمر به لأنه أمر أخلاقي؟

الفئة الغالبة من العلماء ترى بالرأي الأول, أن الله أمر بالصدق فصار هو الخلق الحسن, وفئة أقل ترى أن الصدق خلق حسن لهذا أمر الله به. ومن يقرأ كتب التفاسير يرى الرأيين موجودين بين المفسرين, بانحياز لأحدهما أو بعرض المعاني دون انحياز …

ما أهمية هذا الخلاف, وما علاقة هذا بابن سلمان؟

لو سلمنا أن الرأي الغالب بين العلماء, والمنتشر بين عامة المسلمين, هو أن الأخلاق حسنة لأن الله أمر بها, هنا يصبح كل ما أمر الله به هو خلق حسن. وبالتالي, فكل ما يحتاجه الإنسان للقيام بفعل, أيا كان طيبا أو شريرا, هو دليل من الشرع يبيح له ارتكاب هذا الفعل أو يأمره به, وبالتالي يصبح الفعل, أيا كانت بشاعته, هو من أمر الله عز وجل, ولا تجوز مخالفته.

والآن.. لنلق بعض الضوء على موقف الشرع من تولية الحاكم:

أورد ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين “أن هديه صلى الله عليه وسلم تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه، والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه، فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر”عمر الحداد يكتب: "خاشقجي".. و"السديسي"..! سديس

وقبله قال الماوردي رحمه الله: “وقال الأكثر من الفقهاء والمتكلمين تجوز إمامته (أي المفضول) وصحت بيعته ، ولا يكون وجود الأفضل مانعا من إمامة المفضول”

والملك, كما ورد في كتاب الله, إنما هو لله يؤتيه من يشاء, قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى “قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء” فسرها ابن كثير بمعنى “أنت المتصرف في خلقك ، الفعال لما تريد”, وبالطبع, يرى ابن سلمان نفسه ولي الأمر الشرعي الذي أتاه الملك من الله تعالى, وبالتالي فتثبيته للملك في يده وسجن أقربائه في الريتز كارلتون أو غيرها, إنما هو بأمر من الله تعالى, فالله آتاه الملك, فهل تريده أن يخالف أمر الله بالتنازل عن هذا الملك؟

ولا يمنع كون أن هناك من هم أفضل من ابن سلمان لتولي الحكم, فقد سبقت الإشارة لقول “الماوردي” بجواز تولي المفضول, وبالتالي فالحكم أتى لابن سلمان, وهنا يكون له الحق أن يفعل ما يريد حتى لو لم يكن هو الأفضل, وكل من عارضه هم من الخوارج المغضوب عليهم والضالين.

وكنتيجة طبيعية لكون ابن سلمان هو الحاكم الشرعي, يصبح أي اعتراض عليه أو نقد له علنا هو خروج على الحاكم يستوجب العقاب, كما ورد في السنة :”من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلوا به فإن قبل منه فذاك، وإلا قد أدى الذي عليه” … صححه الألباني.

فالنقد للحاكم لا يجوز أن يكون علنا بنص الحديث, ومخالفة هذا خروج لا يجوز …

وماذا بشأن خروج الحسين على يزيد مثلا؟ هنا يكون الرد المباشر قول ابن عباس رضي الله عنه, كما ورد في فتاوى ابن تيمية وأعلام الموقعين لابن القيم “يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ؟”

فحين نسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لنا إلا أن نقول سمعنا وأطعنا, وأي نقاش أو عرض لرأي آخر هو خروج عن السنة ومخالفة صريحة للشريعة تلحق بصاحبها الإثم والذنب …

بهذه العقلية حكم جمع كبير من حكام المسلمين لقرون طويلة, واستمرت هذه النظرة بين كثير من علماء المسلمين حتى يومنا هذا. لاحظ أن علي جمعة, أو السديس, أو غيرهما …

لا يرون أن ما يفعلون مخالفة شرعية أو أنهم “اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا”, بل إن لهم قناعة راسخة أن ما يفعلونه هو الحق, والدليل أنه وافق الكتاب والسنة, واسمع لقوله تعالى “يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم” … ومن خالفهم إنما خالف الكتاب السنة فاستحق عقاب الحاكم في الدنيا وعقاب الله في الآخرة.

وبالطبع, فمن كانت هذه قناعته, من المستحيل أن تناقشه أن ما يفعله غير أخلاقي, أو غير منطقي, أو مخالف لكذا وكذا, فالمنطق عند هؤلاء أمر تحرم دراسته, فقد قال أبو عمرو بن الصلاح, شيخ الإمام النووي رحمهما الله, في دراسة المنطق “هو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع، ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين، والأئمة المجتهدين، والسلف الصالحين، وسائر من يقتدى بهم من أعلام الأمة وسادتها، وأركان الأمة وقادتها قد برّأ الله الجميع من معرفة ذلك وأدناسه، وطهرهم من أوضاره.” … وطبعا في ظل دراسة الشريعة والإغراق في التعامل مع النصوص, يصبح اللجوء لما هو خارج منظومة النصوص الشرعية أمرا مرفوضا بل محرما.

وكنتيجة طبيعية لهذا, فإن كل مسلم ممن له حظ من دراسة العلم الشرعي لا بد وأن يسعى لحشد ما في صالحه من النصوص, فالحاكم يحشد النصوص التي تبيح له كذا وكذا, ويطبل له مجموعة من العلماء, وأغلب العوام يتبعون المشايخ والعلماء اتباعاً أعمى, ومن حاول أن يفكر قيل له “أنت تثق في رأي الطبيب والمهندس والمحامي, فلماذا تثق برأيك أنت حين يأتي الأمر للدين”, مثل هذه الردود المخيفة والتي يخشى أكثر الناس الوصول لها صارت سلاحا قويا في يد حفنة من معدومي الضمير, ممن استمرأوا العمل بالنصوص إذا وافقت رغباتهم.

وعلى الجانب المقابل ظهرت التيارات التكفيرية التي تستغل النصوص لتكفير الحكام وحربهم والقضاء عليهم, بنفس الأفكار والعقليات ولكن في اتجاه معاكس …

وكي ندرك حقيقة نفوسنا في هذا الجانب, أسألك سؤالا ستكون إجابته مزعجة…

هب أن رئيس وزراء كندا أعلن إسلامه, وأعلنت الحكومة إسلامها, ودخل الشعب في دين الله أفواجاً, وكذلك أعلنت حكومة المكسيك إسلامها ودخل الشعب في دين الله أفواجاً, ثم أعلنت الدولتان غزو أمريكا والجهاد ضد هذه الدولة الصليبية المجرمة… ماذا سيكون موقف حضرتك؟

لو قلت سيادتك أن هذا من الجهاد الذي أمر الله به, فأنت لم تختلف كثيرا عن السديس في خطبته التعريضية الشهيرة, كل ما هنالك أن هواك أتى على غزو أمريكا وتدميرها, رغم أن أمريكا لم تقم بعمل عدائي ضد كندا أو المكسيك مثلا يستوجب غزوها, لكنها الرغبة في الانتقام, مصحوبة بكم كبير من النصوص الشرعية التي تدعو للجهاد وفرض الجزية على أهل الكتاب… وبالطبع كل ما يقال وقتها عن القانون الدولي والمنطق الأخلاقي سيعد مخالفاً للشريعة وبدعة لا يجوز العمل بها …

من هنا, يتبين لنا لماذا لا يتعامل حكام السعودية وعلماؤها, بمنطق أخلاقي, فالأخلاق عندهم هي في العمل وفق النصوص الشرعية, وكل ما خالف الحاكم هو خارجي يجب قتله, سواء كان اسمه خاشقجي أو بن لادن.

ولا يسأل سائل هنا كيف استحل هؤلاء الكذب بهذه الفجاجة؟ فخاشقجي عندهم خارجي حلال الدم, وهم الآن في حالة حرب ضد الخارجين على ولي الأمر, والكذب جائز في الحرب حتى يتحقق النصر على الخوارج المجرمين …

أسأل الله أن يعجل بزوال ملك آل سعود قريبا … اللهم آمين..

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم