أقلام الثورة قبل شهرينلا توجد تعليقات
لماذا يخشى الغرب النظام الإسلامي..؟!
لماذا يخشى الغرب النظام الإسلامي..؟!
الكاتب: عمر الحداد

أحد أهم الاستنتاجات التي يمكن الوصول لها من مقال نيويورك تايمز المنشور مؤخراً حول الانقلاب على الرئيس مرسي، هو أن المسؤولين الأمريكيين الكبار يخشون مسألة “الحكم الإسلامي” بالفعل، لا كمجرد تصريحات إعلامية.

ومن أهم الأسئلة التي أحسب أن على المسلمين عموما والإسلاميين خصوصاً الإجابة عنها، لماذا تخشى الولايات المتحدة الحكم الإسلامي تحديداً..؟؟؟

طبعا هذا موضوع ضخم كتب فيه الكثير وهناك نظريات كثيرة جدا حوله، وحتى لا يتشعب الأمر، لنحاول أن ننظر للواقع المعاصر، ونتجنب الخوض في التاريخ القديم عن دولة الخلافة التي أذلت الصليبيين، فهذا مجرد تاريخ لم تعد له قيمة عملية في واقعنا الحالي.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى منذ قرن مضى تحديداً، كان العالم علمانياً بشكل واضح، فالدول الدينية الأوروبية كلها أصبح الدين عند ملوكها وعلى صلبانها مجرد رمز (فرنسا أزالت الصليب من علمها حين وضعت علم الثورة)، الدولة العثمانية تعلمنت بالفعل على مدار ثلاثة قرون، والعالم الآن أصبح يتعامل وفق تقسيم المصالح والانتماءات الأيديولوجية (شيوعي/رأسمالي) أو وفق بعض الأفكار السياسية الأخرى كأفكار الفاشية مثلا …

1 – وفجأة وبدون سابق إنذار، ينتصر عبد العزيز آل سعود على أعدائه في الجزيرة العربية بمساعدة بريطانية مباشرة، ويقيم أول دولة إسلامية في العصر الحديث، المملكة العربية السعودية (سبتمبر 1932).

وكان ظهور السعودية ودخولها بعد التأسيس مباشرة (عام 1933 التقى عبد العزيز آل سعود بالرئيس روزفلت وأعطى الشركات الأمريكية وحدها حق التنقيب عن البترول في السعودية).

وبدأت أموال البترول تتدفق على الخزائن السعودية، منذ عام 1933 وحتى اليوم.

ما الذي فعلته الدولة الإسلامية الوليدة بهذه الأموال؟ استثمرتها في الولايات المتحدة وأوروبا، بنت القصور والمنتجعات الفاخرة لأبناء الأسرة المالكة، اشترت كميات ضخمة من السلاح لم تطلق منها رصاصة إلا على مسلمين آخرين …

والنتيجة، تظل السعودية إحدى أشد دول العالم تخلفا علميا وتكنولوجيا. بالله عليك كم مرة سمعت عن براءة اختراع لعالم سعودي داخل السعودية؟

2 – مع ازدياد النفوذ الأمريكي في المنطقة، ووصوله لمرحلة الخطر وتأثيره المباشر على حياة الشعب الإيراني، سعت إيران لتأميم بترولها، فدبرت أمريكا العملية أجاكس للتخلص من رئيس الوزراء الإيراني مصدق.

لماذا يخشى الغرب النظام الإسلامي..؟! الإسلامي

لماذا يخشى الغرب النظام الإسلامي..؟!

وكعادة الشعوب الإسلامية، بدأ صوت المشايخ يعلو أن مُصَدَق هزم أمام أمريكا، حتى مع وطنيته، لكونه علمانياً.

وبدأ أحد مشايخ إيران الحديث جهاراً عن أن الإسلام هو الحل لمشاكل إيران، خرج هذا الشيخ من إيران، وفي كل دولة حل بها يزداد عدد مؤيديه إما في بلد إقامته بين الإيرانيين، وإما في بلده عن طريق كتاباته ثم شرائط الكاسيت التي كان يرسلها وتنتشر بين الناس بسرعة كبيرة.

وفي عام 1979، عاد الخوميني إلى إيران، مطيحاً بالشاه، ومعلناً استقلال إيران عن التبعية الأمريكية.

منذ أربعين عاما وإيران تعمل من خلال مظلة روسية، ورغم الطبيعة الإسلامية العنيفة للنظام الإيراني، وصورته الثورية الصارخة، ودعمه للثورات الشيعية في كل الدول المحيطة، إلا أن الوضع في إيران اقتصادياً وحتى علمياً ليس جيدا إطلاقاً.

فإيران شأنها شأن أغلب الدول الإسلامية، صبت كل قدرتها الاقتصادية في تطوير منظومة سلاح قوية قادرة على مواجهة العدوين الأمريكي والإسرائيلي.

لكن الدول لا تنتصر بالسلاح وحده، فالحياة في إيران أصبحت جحيماً لأغلب الإيرانيين… وهكذا، ثاني دولة إسلامية تظهر على الساحة، ربما كانت أفضل في أمور وأسوأ في أمور عن سابقتها (السعودية)، لكنها لا تمثل بكل تأكيد وجهاً مشرقاً أو مثيراً للاحترام، لا بين المسلمين ولا بين غيرهم.

3 – مع الملايين التي أنفقت في الصراع السوفيتي, ومع خطة برجنسكي للانتقام من الروس عن طريق توريطهم في حرب مشابهة للحرب الأمريكية في فيتنام، بدأ السلاح والعتاد في الوصول للثوار الأفغان في جنوب أفغانستان عن طريق باكستان بتمويل سعودي.

واضطر السوفيت للتدخل لإنقاذ حليفهم النظام الأفغاني.

شكلت هذه بداية الأحداث التي سارت على مدار سبعة عشر عاما, وانتهت بتشكيل حكومة إسلامية أسستها حركة طالبان في كابول عام 1996.

ورغم أن الحركة كانت تتمتع باعتراف باكستان والسعودية والإمارات (أيام ما كانت بلاد محترمة) إلا أن الحركة لم تتحرك فعلياً إلا على طريق تطوير نفسها عسكريا لمزيد من المواجهات العسكرية.

وبدأ التدخل الأفغاني في جمهوريات المرحوم السوفيتي بصورة مباشرة (طاجيكستان وأوزبكستان أولا, ثم الشيشان حظيت بتركيز إعلامي مباشر كونها داخل روسيا).

ولم يكن هناك اهتمام بعمل تقوية وتحطوير للدولة علمياً وتقنياً. ومع خرق الشيخ أسامة لتعهده للملا العمر وقيامه بعملية 11 سبتمبر، انتهى مشروع الدولة الإسلامية في أفغانستان إلى غير رجعة.

4 – مع انكسار جيش صدام ودخول الأمريكيين بغداد في أبريل 2003 (يوم من أشد الأيام على كل من حضر تلك الأحداث)، انهارت الأفكار البعثية والقومية وحلت محلها الأفكار الإسلامية المتشددة.

وأدى هذا لظهور جماعة التوحيد والجهاد ثم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، بقيادة الشيخ أبي مصعب رحمه الله.

وكالعادة، ارتكب التنظيم بشاعات كذبح الأسرى أمام شاشات التلفاز، وتنفيذ تفجيرات في مناطق مزدحمة سواء شيعية أو سنية، مما أدى لضحايا بالآلاف بسبب أعمال هذا التنظيم.

لماذا يخشى الغرب النظام الإسلامي..؟! الإسلامي

لماذا يخشى الغرب النظام الإسلامي..؟!

وكما في كل الحالات السابقة، أعلن التنظيم أنه يفعل هذا نصرة للإسلام وحرصا على دماء المسلمين (رغم أن أغلب ضحاياه كانوا مسلمين).

ملحوظة جانبية: تعمدت ذكر الأمثلة التي أعلنت بوضوح كونها إسلامية تسعى للعمل بالشريعة، وهو ما لا ينطبق على حالات بعينها في بعض الدول المسلمة التي تعلن دساتيرها بوضوح أنها دول علمانية لا تحتكم للشريعة الإسلامية.

أي مسؤول حكومي مهتم بالتعامل مع العالم الإسلامي، يرى بوضوح بعض الملامح تتضح جلياً مما سبق.

أ – المسلمون لا يسعون لتطوير أنفسهم أو الارتقاء بظروف حياتهم طالما كانوا في ظل حكم إسلامي، تجارب السعودية وإيران تحديداً تشير لهذا الأمر بجلاء.

فرغم حجم الميزانية الهائل للحكومة السعودية، لا يوجد تطوير عملي على الأرض، بل انتهى الأمر بخروج عدد كبير من التنظيمات المتطرفة أبرزها القاعدة، كلها قادها سعوديون، 15 من الخاطفين الـ19 يوم 11 سبتمبر كانوا سعوديين.

إيران لم تكن بهذا الغباء للصدام المباشر مع الولايات المتحدة, لكنها أيضا تدعم تنظيم حزب الله الإرهابي في إيران.

ب – هناك حالة اطراد سلبي في التفكير المسلم، فترتيب النماذج الأربعة المذكورة تاريخياً يشير بوضوح أنه كلما نشأت دولة جديدة، أو تنظيم جديد، فإنها تكون أشد عداء للغرب والمصالح الغربية من سابقتها.

بل الأخطر من هذا أنها تكون أشد توحشا في استخدام القوة ضد مخالفيها وأعدائها.

جـ – وكي تصبح الأمور أكثر سوءا, فحتى في الدول المسلمة التي لا تعلن تطبيق الشريعة بل لها مناهج علمانية في الحكم، لم تظهر أبداً شخصية قامت بتطوير فكري أو فلسفي ملحوظ، هناك نجاحات لا تنكر، كما في الحالات التركية والماليزية، لكنها تظل استثناء يؤكد القاعدة، أن المسلمين شعوب فاشلة بطبيعتها، ويزداد الأمر سوءاً ويزداد الفشل توحشاً حين يقود هذه الدول رجال يحملون فكر الحكومة الإسلامية والدولة الإسلامية …

هذه هي الرؤية التي ينظر بها المسؤول غير المسلم للدول المسلمة، ورغم كونها وجهة نظر قاسية، ورغم إغفالها لتفاصيل كثيرة منها دور الغرب نفسه في وصول العالم الإسلامي لوضعه الحالي، إلا أن الحقيقة تظل أن حالنا ليس جيداً إطلاقاً.

وبالتالي، فما الذي تتوقعه من المسؤولين الغربيين حين يرون دولة مسلمة كبيرة كمصر يحكمها نظام يصف نفسه بأنه إسلامي؟

بالطبع ستكون تجارب السعودية وإيران ماثلة في أذهانهم… وحتى لو لم يظهر من الإخوان ما يؤيد دعمهم للعنف، إلا أن الصورة الذهنية المسيطرة عن المسلمين هي أنهم دعاة عنف.

ومن يأخذ الأمور بهذا التعميم وتلك السطحية من الطبيعي أنه لا يرى فارقاً كبيراً بين الإخوان والقاعدة… من هنا يتضح لنا بجلاء أن دعم غالبية المسؤولين الأمريكيين للانقلاب على الرئيس مرسي (رغم معارضة باراك أوباما وهيلاري كلينتون) هو مسألة منطقية جداً.

ومن يتصور أن الغرب سيقبل بدولة تحكم بالشريعة فهو واهم، فتصور الغرب عن الإسلام تصور مظلم تماما… متفق أنه تصور غير سليم، لكن هذا هو الواقع الذي يجب أن نتعامل معه.

أختم كلامي بنقطة عشتها فعلياً، حيث كنت لفترة ما أحد الأعضاء النشطين بأحد الأحزاب الغربية، وبالطبع تعاملت مع بعض المسؤولين في الحزب بصورة مباشرة وأصبح عندي تصور ما عن كيف يفكر الساسة الغربيون.

أتذكر هنا حواري مع أحد المسؤولين الكبار في الإخوان، وكيف أنه كان متحمساً جداً وهو يقول أننا بلقائنا مع المسؤولين الغربيين نرى تأييداً منهم لوصولنا للحكم … وهنا كان الرد المباشر “أمال حضرتك متوقع إيه؟”… يعني هل تعتقد مثلاً أن وفداً لحزب سياسي يقوم بجولة خارجية، ثم يقال له بوضوح: “لا نريد أن نراكم في الحكم” … هل تتخيل هذا؟ أبسط قواعد الذوق والدبلوماسية تمنع هذا، وجزء كبير من السياسة يعتمد على قراءة ردود الأفعال الصحيحة والدقيقة للطرف المقابل، وليس أخذ ما يقوله بمعناه المباشر.

فالمسؤول الغربي, وفق كل الحالات المذكورة أعلاه من 1 إلى 4، يخشى بالفعل من كلمة شريعة، أو حكم إسلامي.

هذه هي الحقيقة، وأي محاولة للاتفاف حولها هي محاولة من خداع النفس لتبرير أخطاء حدثت لاحقاً …

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم