أقلام الثورة قبل شهرينلا توجد تعليقات
الزراعة... والري ... وكوكتيل الصرف
الزراعة... والري ... وكوكتيل الصرف
الكاتب: عمر الحداد

يعتبر الإنتاج الغذائي عبر التاريخ من أكثر الأنشطة البشرية استهلاكا للمياه, وتقدر الهيئة الجيولوجية الأمريكية United States Geological Survey استهلاك المياه العذبة في الإنتاج الزراعي بما يعادل ٦٥٪ من المياه العذبة في العالم, وهو ما يعني باختصار أن ثلثي المياه الموجودة في العالم تستخدم في إنتاج المحاصيل الزراعية … النسبة الباقية تتوزع على إنتاج مواد غذائية أخرى كاللحوم, أو على أنشطة بشرية أخرى متعلقة بالغذاء كطبخ الطعام وتجهيزه. الباقي إما يستهلك للشرب, وهناك نسبة قليلة (من ٥ إلى ١٠٪) تستخدم صناعيا, في توليد الكهرباء أو الإنتاج الصناعي بصفة عامة …الزراعة... والري ... وكوكتيل الصرف الزراع

أما في مصر, فالوضع يختلف. فمنذ مطلع القرن, تعاني مصر من عجز مستمر في المياه, وقد حاول رئيس الوزراء الأسبق أحمد نظيف زيادة حصة مصر من المياه في اجتماع دول حوض النيل في عام ٢٠٠٦ وقوبل طلبه بالرفض, ومؤخرا في ٢٠١٥ وقع السيسي اتفاقية إعلان المبادئ بخصوص سد النهضة, ولم تنص الاتفاقية على حفظ حق مصر التاريخي في ماء النيل, وفي بداية ٢٠١٨ وافق السيسي على اتفاق آخر مع أثيوبيا والسودان, هذا الاتفاق الأخير يعطي أثيوبيا الحق في ملء خزان سد النهضة في فترة قصيرة, مما يعني مزيدا من الانخفاض في حصة مصر من المياه …

وبعيدا عن القرارات السياسية الكارثية, يمكن النظر إلى حقيقة الوضع في مصر من الناحية المائية. لو نظرنا للحالة الآن, نجد أن الحكومة المصرية لجأت لتعويض النقص في مياه الزراعة لأسلوب خطير, وهو استخدام مياه الصرف في الزراعة. الصور الآتية من بعض المناطق الزراعية في مصر تشير بما لا يدع مجالا للشك أن مياه الصرف تأتي من مصارف تتجمع فيها المخلفات المائية المحتوية للصرف الزراعي والصرف الصناعي والصرف الصحي … تجمع هذه المخلفات معا يؤدي لمشاكل ضخمة في مجال معالجة المياه …

والآن، لننظر إلى هذه المخلفات وطبيعة كل منها على حدة كي نتمكن من استيعاب حقيقة الكارثة التي ستواجه مصر في المدى القريب, أو يمكن القول أنها بدأت بالفعل…

أولاً: الصرف الزراعي

ما هي المواد الضارة التي يحويها الصرف الزراعي, وما هي خطورته..؟

تتعدد المواد الضارة في الصرف الزراعي, وبصفة عامة يمكن القول أن هناك بعض المواد العضوية التي تحوي الكلور والفوسفور بالإضافة لبعض المواد الأخرى كاليوريا والكربامات, ومركبات النترات والكبريتات والنشادر. هذه المواد تستخدم كمبيدات حشرية, ومواد قاتلة للحشائش الضارة وللبكتريا, وأسمدة …

طبعا هذه المواد نفسها لها فائدة كبيرة حيث أنها تساعد على التخلص من المواد الضارة, لكن وجودها في الصرف الزراعي ثم ذهاب هذا الصرف الزراعي للنيل بغير معالجة يشكل أزمة كبيرة. أحد الحلول المتبعة في هذا الأمر منذ فترة في مصر هي إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي في ري النباتات, وهذا الحل رغم منطقيته, إلا أنه يعرض النباتات لبعض المشاكل.

فعلى سبيل المثال, مياه الصرف الزراعي تحوي بعض مخلفات حيوانات الحقل, وفي هذه الحالة فإن مياه الصرف الزراعي المعاد تدويرها ترجع النبات محملة بهذه المخلفات التي لا يجب أن تزيد عن نسبة معينة وإلا تسببت في أضرار للنبات ولمن يستهلك هذا النباء كغذاء لاحقا.

الحل؟ لابد من عمل منظومة لمعالجة مياه الصرف الزراعي, تتخلص مما علق بها من مواد ضارة, ثم تعالج ما بقي في مواد الصرف الزراعي الضارة وتزيلها. ما بقي من هذه المواد, سواء في صورة أسمدة أو مبيدات حشرات أو ما شابه, يعاد إرجاعها للنبات بعد تنقيتها. للأسف, تفتقد مصر لهذه النوعية من المعالجة, وهي ضرورية للتخلص من الصرف الزراعي أو حتى إعادة تدويره, وبدون هذه المعالجة فلن يمكن الاستفادة من الصرف الزراعي وسيسبب ضررا كبيرا, سواء استخدم في الزراعة أو حتى تم التخلص منه في النيل.

ثانياً: الصرف الصناعي

لا توجد صناعة لا تستخدم الكيماويات, فالمواد الكيميائية أصبحت جزءا لا يتجزأ من أي عملية صناعية. ولا بد أن تحوي أي عملية صناعية, عند التخطيط لها وتأسيسها, على وحدات لمعالجة المخلفات. المخلفات الصناعية تختلف باختلاف الصناعة, فهناك مخلفات عضوية, كما في صناعات البترول والبتروكيماويات وغيرها, وهناك مخلفات معدنية, كما في أغلب الصناعات المعدنية كصناعة الألمنيوم, وهناك مخلفات سامة شديدة السمية, كما في حالة استخدام الزئبق في بعض العمليات الصناعية …

لهذا, فالحديث عن “معالجة المياه الصناعية” في حد ذاته هو موضوع كبير ومتشعب, والأصل أن كل مصنع أو وحدة صناعية تعالج ما يخرج منها من مياه أو مخلفات أخرى, لكن حيث أن الاهتمام بالبيئة هو من أقل الأمور التي تهتم بها الحكومة المصرية, ووزارة البيئة للأسف ليس معها من الصلاحيات ما يكفي لعقاب المخالف…

فالنتيجة الطبيعية هو أن مياه النيل أصبحت تحوي كميات كبيرة من السموم, وهو ما ظهرت آثاره في حالات موت السمك التي كانت منتشرة في مصر في عامي ٢٠١٤ و٢٠١٥, مما يعني أن تركيز المواد السامة في المياه أصبح عاليا بصورة قاتلة للأسماك, وهي بالتالي ضارة جدا بصحة الإنسان … وللأسف ورغم مرور سنوات فالوضع يتحرك من سيء لأسوأ …ولا يوجد, على الأقل في المستقبل المنظور, أي احتمال لتحسن الوضع, لانعدام الإرادة السياسية …

والسؤال, إذا كان هذا هو الوضع في النيل, فما هو الوضع في المصارف؟ من المؤكد طبعا أن المصارف تحوي مياها أسوأ بكثير وأعلى تلوثا بكثير من مياه النيل, وتركيز بعض المواد السامة في المصارف (خاصة الزئبق والزرنيخ) فاق الحد الأقصى بمراحل…

وبالتالي فاستخدام هذه المياه المخلطة في ري النباتات إنما يعني بالضرورة قتل هذه النباتات والقضاء عليها, ولو عاشت هذه النباتات ونمت حتى يستهلكها الإنسان, فإنها ستسبب ضررا كبيرا لمن يأكلها, لاحتوائها على قدر عال من السموم والمواد الضارة. ولا حل لهذا إلا بتفعيل العقوبات والغرامات على المصانع والشركات التي تلقي بالمياه الملوثة في النيل …

ثالثا: الصرف الصحي

لا يمكن التخلص من المواد الضارة في الصرف الصحي إلا بالمعالجة الثلاثية, كي يصبح التخلص من هذه المياه في النيل أو البحر مسألة غير ضارة بالبيئة. والحديث حتى عن استخدام المياه المعالجة ثلاثيا في الزراعة هو حديث مخالف لأبجديات الزراعة التي تنص على ضرورة ري النباتات بمياه نظيفة.

والمياه المعالجة لا زالت تحوي كميات قليلة من البكتريا والمواد الضارة, فلا يمكن استخدامها زراعيا, لكن يمكن التخلص منها فقط في النهر أو البحر حيث يخفف تركيز هذه المواد الضارة بفعل الماء الجاري …

تعتمد المعالجة الثلاثية على وضع المياه في أحواض تحوي أنواعا معينة من البكتريا, هذه البكتريا تتغذى على المواد الضارة في مياه الصرف, وتقوم بتفكيكها لمواد أخرى غير ضارة, لكن تبقى نسبة بسيطة من المواد الضارة, والبكتريا في الماء المعالج, لهذا لا يمكن شربه أو استعماله في الزراعة, إلا لزراعة نباتات غير مثمرة كأشجار الزينة.

الري بكوكتيل المخلفات

ما يحدث في مصر أمر خطير, فقد تحدث السيسي بنفسه عن استخدام المياه المعالجة ثلاثيا في الزراعة, وحاليا يتحدث عن استخدام المياه المعالجة من خليط يحوي مياها ملوثة, من مياه الصرف الزراعي والصناعي والصحي, يتحدث عن معالجتها جميعا كما لو كانت شيئا واحدا أو تحمل نوعا واحدا من المواد الضارة… وهذا كلام خاطئ تماما من الناحيتين العلمية والتطبيقية …

فلو صحت الأخبار التي تتحدث عن استخدام ماء الصرف الصناعي والزراعي والصحي في ري المحاصيل … فهذا يعني أننا مقبلون على كارثة, فكيماويات المصانع وكل ما فيها من سموم قاتلة (نحاس, قصدير, زنك, زرنيخ)…

كل هذا سينتهي في الحال في الفواكه والخضروات التي يتناولها الناس. هذا طبعا بالإضافة للصرف الزراعي (مبيدات وأسمدة مسرطنة) التي ستذهب مباشرة لطعام الناس وغذائهم.

وكنتيجة منطقية لكل هذا, المستشفيات لن تسع المرضى في المرحلة المقبلة, وأتوقع زيادة حالات الإصابة بالسرطانات وأمراض الجهاز الهضمي خاصة الكلى والكبد بنسبة رهيبة … فإذا كان الغذاء يحوي كل هذه السموم, فإنها لا بد أن تفعل فعلها في أجسام من يتناولها ويتغذى عليها … ولا حول ولا قوة إلا بالله.

شارك برأيك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الثورة اليوم وإنما تعبر عن رأي أصحابها

دوائر التأثير

الاشتراك في التنبيهات
اشترك في التنبيهات ليصلك كل جديد و متميز من موقع الثورة اليوم